ثمة مصطلحات لها ظلال سلبية في ثقافتنا
العامة، وإحدى هذه المصطلحات على سبيل المثال لا الحصر هو (عثرات) ومفردها (عثرة)
والتي يرادفها في العربية (عرقلة، سقطة، كبوة). ولو أمعنّا النظر في هذه المصطلحات
لوجدنا فيها جانبًا فلسفيًا برّاقًا وجميلًا؛ فحيث تكون الأخطاء والسقطات تكون الخبرة، ومن
نافذة العثرات تهبُّ رياح التجديد. أن تمشي وتعثر ثم تعاند عثراتك وتواصل
المسير خير من أن تراوح مكانك، وفي ثقافتنا الإسلامية حديث حول الفتنة: (الفتنة
إذا أقبلت شبّهت وإذا أدبرت نبّهت)، ومفاد هذا النص أن الفتنة إذا ما رحلت عنّا
نبّهتنا، ولا أظن التنبيه أمرًا سلبيا.
جرى تنسيق بيني وبين خالي (أبي تمّام) في داره الجديدة، على
لقاءٍ خاص يجمعنا ببني عثرات (أبي متمم وأبي رشيد) مع صديقي الفاضل (محمد سعيد
الفرحان)، أكّدت للجميع اللقاء عدا خالي نسيت أن أؤكّد له
اللقاء، وقبل موعدنا المحدد بنصف ساعة فتحت محادثتي مع خالي على
الواتساب لأكتشف أني لم أؤكّد له اللقاء؛ فاتصلت به لحظتها فقال لي: "لم تؤكّد
لي اللقاء؛ ولذا فقد اتصلت على اصدقائي لألتقي بهم عند الساعة التاسعة"، فقلت
له: ما العمل إذن؟ فقال: لا بأس، تفضلوا على الرحب والسعة.
فذهبت إلى خالي في موعدنا المحدد (٠٨:١٥م)،
وبعد ربع ساعة وصل صديقي (الأستاذ الفرحان) ومن ثم حضر أبو رشيد، وبعد نصف ساعة
تقريبًا وإذا بصوت جرس البيت، وصل أصدقاء خالي وهم: (شاعر النخلة الهجرية
الباسقة جاسم الصحيّح، والشاعر ناجي حرابة، والشاعر جاسم عساكر، والشاعر السيّد
عبدالمجيد الموسوي). ومن المصادفات الجميلة أنني كنت قد طلبت من خالي أن
أقرأ عليهم الملف الخاص المنشور مؤخرًا في مجلة العربي، العدد(705- اغسطس 2017م)،
والذي جاء بعنوان (جاسم الصحيّح ما وراء حنجرة الشاعر). فحين دخل الشاعر الصحيّح
علينا المجلس تعانقنا فقلت له: كنا قد عزمنا على قراءة الملف الخاص المنشور في
مجلة العربي وها قد حضرت بنفسك وإذا حضر الماء بطل التيمم. فأطلق ضحكة لطيفة
كلطافته المعهودة.
الجميل في هذا اللقاء أنه حصيلة عثرة بدرت
مني، ربّما لو لم تحصل هذه العثرة لما كانت ليلتنا بهذا الجمال والألق، نحن بحاجة
للعثرات وللسقطات وللأخطاء أيضًا؛ كي تسفر لنا عن جانبها الإيجابي المختبئ خلف هذا
الجدار الوهمي (ظلال اللفظة السلبي، الذي ألمحت له آنفًا)، قضينا مع هؤلاء الشعراء
أمسية نموذجية، حيث الحوار كان في مختلف الحقول، فمن الأدب إلى علم الاجتماع مرورًا
بعلم النفس، وكان لأفكار الصوفيين ومعتقداتهم حظًا من حوارنا الهادئ.
عبدالرحمن
علي
٦
ذي الحجة ١٤٣٨هـ