الأحد، 15 يوليو 2018

الفن وسقف الحرية

الفن وسقف الحرية
ليلة البارحة قضيت مع الأسرة يومًا جميلًا في أحد الحدائق العامة، كان جوًا مفعمًا ولطيفًا رغم أن المنطقة تشهد هذه الأيام موجة حر قوية كوننا في شهر يوليو. الحديقة كانت مكتظة بالزوّار، وفي كل زاوية من زوايا الحديقة تجد الباعة (أصحاب البسطات) يبيعون المأكولات الخفيفة وبعض المشروبات الباردة والساخنة، والبعض منهم يبيع الألعاب والبعض الآخر يؤجر الدراجات الصغيرة والسيارات التي تعمل بالشحن الكهربائي.

كان بالقرب منا مجموعة من الشباب، غالبيتهم في سن المراهقة، والبعض منهم يكاد لا يتجاوز سن العشرين، عددهم غير محدّد، تارةً يتزايدون وتارةً يتناقصون، لعلهم ستة سابعهم مصوّرهم، وقد يكونون ثمانية تاسعهم مصوّرهم. ما لفت انتباهنا (أنا وجميع أسرتي)، في هذه المجموعة من الشباب، أنهم كانوا يقومون برقصاتٍ وحركاتٍ جمبازية فيها من الخفة والسرعة الشيء الكثير، ما رأيته منهم شيئًا يستحق التوثيق والكتابة، رقصات وحركات فلكلورية، أمتعوا الحضور بها.

في الأثناء، التفتُ على أحد أفراد أسرتي، وقلت له: ما يقوم به هؤولاء الشباب فنٌ من الفنون، وجميل أن يحتضن مجتمعنا مثل هذه الشريحة من الشباب، غير أنه لم يرق لي نمط لباسهم، فضلا عن نمط قصات شعورهم. البعض منهم يُخيّل إليك أنه أوروبّي أو أمريكي، هم يقومون بعمل فنّي أمام الملأ، ولذا فحركاتهم وسكناتهم وكل إيماءاتهم ستكون تحت المجهر، ومن الطبيعي أن يُنقدوا من المجتمع ولا سيّما خصوم هذا اللون الاجتماعي من المتشددين.

وختامًا أقول: مع انحسار رؤية هلال هيأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ظهرت مثل هذه المشاهد الفلكلورية في مجتمعنا كالذي أتحدث عنه. نحن بحاجة لمساحة من الحرية ليُظهِر لنا المجتمع من فنونه ومن كوامنه، قد يختلف معي البعض ويرى أن ما وصفته شيئًا مستنكرًا ويتنافى والآداب العامة، ولكنّي أرى أن الطبيعي هو أن نعيش حالة من الفسيفساء الاجتماعي، مزيج من الألوان الثقافية والتنوع الفكري، وليس بالضرورة أن نتفق كلنا على لونٍ اجتماعيٍ واحد ونصطبغ بصبغته.

    شكرًا للشبّاب لأنهم أثاروا قلمي، وشكرًا لكم لأنكم تقرأون ما أكتب رغم اختلافكم معي.

عبدالرحمن علي
٢ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الخميس، 10 مايو 2018

تجربة مغترب


هل سمعتم عن عملية بيع الأعضاء البشرية؟ هل تستطيعون أن تتصوّروا أنكم تمضون على عقدِ اتفاقية طبية (لبيع أعضائكم بعد الموت)؟ ، فثمة عقد من هذا النوع أمضى عليه شابٌ ليحصل على مبلغ من المال؛ بغرض إكمال الدراسة والحصول على وظيفة!

    تخرجت من المرحلة الثانوية، وذلك في العام 1426هـ - الظروف الماديّة للعائلة إبان تلك الفترة كانت قاسية، ليست قاسية بل قاهرة؛ إذ أن والدي كان يتقاضى راتبًا هو تحت المتدني، وليس ثمة مصادر دخل أخرى. كانا حلمان يتصارعان في أعماق ذاتي، وبالتحديد في دهاليز المستقبل – أحدهما هو (الانضمام إلى صفوف رجال الأمن (العيون الساهرة)، والآخر هو إكمال الدراسة) غير أنّ المعطيات الراهنة آنذاك لم تتح المجال للخيار الثاني. عرفت من أحد الأصدقاء أنه قد بدأ التسجيل في معهد التدريب العسكري المهني. معهد التدريب العسكري المهني تُعقد فيه دورات عسكرية إلى جانب دراسة تخصص مهني ما، على مدار سنة كاملة، يحصل فيها المتدرب طيلة السنة على مكافئة مالية قدرها 600 ريال في النصف الأول، و800 ريال في النصف الثاني، يتم منح المتدرب شهادة دبلوم. وحسب النظام يتم توظيف 25 % من الخريجين، بعض الخريجين يتم توظيفهم في أحد القطاعات العسكرية أو المدنية أو ربّما تقوم بتوظيفهم إحدى الشركات أو المؤسسات من القطاع الخاص، والبعض الآخر – ربّما القليل وربّما الكثير – من الخريجين لا يحصلوا على وظيفة بعد كدح اثنى عشر شهرًا داخل أسوار المعهد. ولهذا السبب (عدم ضمان الوظيفة بعد التخرج) رفض الكثير من أسرتي فكرة الدراسة في المعهد، فلم يكن بين الأعمام والأخوال من أيّد خوض هذه المغامرة. لم أكترث لكلمات التثبيط التي سمعتها ولم أصغِ إلى الأراجيف التي قيلت من هنا وهناك، وقمت بإتمام خطوات التسجيل في معهد التدريب العسكري المهني بجدة.

    الطريق شاقةٌ وطويلةٌ، لا أعني الطريق إلى محافظة جدة بل إلى بلوغ يوم التخرج، ولا يوجد مبلغ مالي مدّخر أو أسهم في محفظة الاستثمار ليتم بيعها من أجل السفر إلى المنطقة الغربية واستئجار شقة فضلًا عن المشرب والمأكل طيلة يومي عطلة نهاية الأسبوع، ناهيك عن تكاليف المواصلات ذهابا وإيابا. وهذا ما حدا بي إلى التفكير في رأي أحد الأصدقاء حين سؤالي إياه عن فكرة من خلالها استطيع الحصول على مالٍ وهي: (بيع الأعضاء على الشركات الطبية)، ربّما لم يسمع أحدكم بهذه الأمور إلا في المسلسلات والأفلام أو في الروايات. لكنّني كدت أن أخطو خطوة نحو هذا المشهد الصعب، لولا أنني قمت باستعاضته ببيع بعض مقتنياتي - إن لم تكن كل مقتنياتي - كهاتفي الجوّال المدمج بالكاميرا وآلة تصوير رقمية، وكانت هذه الخطوة بمثابة آخر نرد استطيع رميه على الطاولة، ولم تبق لدي إلا ورقة احتفظت بها في جيبي، كنت قد ادّخرتها لحين الحاجة إليها؛ هي ليست ورقة نقدية كما خُيّل إليكم - أو كما خدعكم هذا النص - بل هي قصاصة كتبت فيها أرقام هواتف بعض أفراد العائلة وصديقي المقربين حسن ومحمد (اللذين ما فتآ يدعماني معنويا). فكنت إذا خرجت في العطلة الأسبوعية أُخرِجُ هذه القصاصة الورقية واتصل على أحدهم عن طريق إحدى كبائن هاتف الأجرة.


    لعله من الصعب اختزال صور المعاناة والعقبات التي اعترت طريقي طيلة الدراسة في المعهد، ومن الصعوبة بمكان اختزالها في نصٍ قصير، ولكن لا بأس بالمحاولة في إيصال تلك التجربة المريرة. ومن صور تلك المعاناة أنه حين  خروجي يوم الأربعاء من المعهد لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، أنه لا يوجد حينها معي مبلغ مالي لتغطية مصاريف الوجبات الغذائية لهذين اليومين، فضلًا عن عدم توفر مسكن (وهذه كانت الأزمة الكبرى طيلة ثمانية شهور). كنت اتصل على والدي وأخبره قبل دخولي للمعهد وذلك يوم الجمعة قبيل صلاة العصر بأن حسابي البنكي لا يوجد فيه إلا القليل من الهللات؛ لذا فأنا بحاجة للمال، وما أن أنزل من حافلة النقل الجماعي التي كنت أختلس في صعودها، مستقلًا  ذلك المقعد كأحد المشتركين في خدمة التوصيل برسمٍ رمزيٍ، يتم استقطاع ذلك الرسم من المكافأة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وما أن أنزل من الباص إلا وأهرول باتجاه أقرب صرافة آلية ظانًا أني سأجد مبلغًا من المال، بيد أنه يظهر لي على الشاشة بضع هللات، لا تكفي لشراء علك. وهنا اضطر للتملق إلى العمالة الوافدة من مختلف الجنسيات العربية بأن يقبلونني ضيفًا ثقيل العبء طيلة يوم أو ربّما يومين، وعليه فقد استقبلني أحد الإخوة اليمنيين والذي كان يعمل في مغسلة ملابس.

    في تلك الفترة كنت أحفظ بعض الجمل البرّاقة المطرزة بكلمات (الكرامة، المبدأ) لكنّ تلك الكلمات لا تعني شيئًا لمن يعيش في أزمة، هي بالنسبة له حبرٌ على ورق، وأقصى ما يمكن الاستفادة منها هو:  تزيين جدران المدرسة فقط وفقط. بقيت أتنقّل من غرفة مستأجرة داخل إحدى الشقق المفروشة في شمال جدة إلى غيرها في جنوبها، ومن ملحق هنا إلى بيتٍ صغيرٍ هناك لا يتجاوز الستين مترًا. ولم تنتهِ المعاناة حين أمسكت بحقيبتي التي احتوت إلى جانب ملابسي شهادة مختومة بالتخرج من المعهد، وذلك في شهر رجب من العام 1428هـ، ذلك أن عملية تشطيب بواسطة تقنية الليزر للعيون كان لا بد عليَّ أن أجريها في أحد المستشفيات الخاصة، ومن أين لي بثمنها الباهض بالنسبة إلى ظروف تلك السنة التي كانت عائلتنا ما زالت ترزح تحت وطأة القروض البنكية لإعادة بناء بيتنا. قيّض الله لي عمتي التي ما زلت ممتنًا لها، بأن أقرضتني تكلفة العملية، وفي المقابل كانت الظروف مواتية لي؛ إذ أن والدي كان يحتفظ ببعض الأسهم والتي أجريت بهذا المبلغ عملية لأسناني بناءً على توجيهات طبيب الأسنان في (مركز صحي قوى الأمن بجدة) لاجتياز الفحص الطبي العسكري. 

    تخرجت من المعهد بعد سلسلة من العوائق والمعاناة المريرة، والتي تمخضت - بحمد لله - بالحصول على وظيفة (رجل أمن) في قطاع قوات أمن المنشآت، وها أنا ذا اليوم وبعد مرور عقدٍ من الزمن، أرفل وله الحمد في نعيم بظل أسرةٍ أحد أفرادها بنتي (سارة) التي انتقلت هذا العام من الصف ثاني ابتدائي بتفوق إلى الصف الثالث، ما كنت لأستطيع بناءها بعد عونه لولا صبري وجلدي ووقوف البعض من أسرتي. 


وختامًا أقول: إنه بشيءٍ من الصبر والأناة، بقسط وفير من التحمل نستطيع بناء مستقبلنا بأحسن صورة وأجمل قوام.



عبدالرحمن علي
25 شعبان 1439هـ.

الاثنين، 19 مارس 2018

رحلة مدرسيّة

في تمام الساعة السادسة مساءً من يوم أمس، صحوت على صوت طرق الباب، وقد امتلأ المكان من حولي بأصوات المؤذّنين؛ لدخول وقت صلاة المغرب. بعد أن أغلقت منبّه الجوّال، أجبت أطفالي الذين ما زالوا يطرقون الباب: سارة والمقداد، ومعهم صغيرهم (آخر العنقود) عبدالله، وهو يحاول جهد إمكانه أن يقفز من درّاجته ليتشبّث بأطراف ثوبي. وبعد الانتهاء من الوضوء، ومن أداء صلاة العشائين، جلست مع طفلتي الجميلة (سارة) لأطّلع على المستجدات اليومية في المدرسة، وإذ بها تعطيني ورقة من المعلِّمة. الورقة متعلقة بطلب معرفة مدى موافقة أو رفض أولياء الأمور على الرحلة المدرسيّة، الرحلة إلى أحد مراكز الترفيه للأطفال وهو (تشيكي تشيز).

هذه المبادرة الجميلة من إدارة المدرسة، لأوّل مرة تحصل عليها ابنتي سارة، ومثل هذه النشاطات المدرسية، حريٌّ بمنسوبي وزارة التعليم أن يكثّفوا منها ويولوها اهتمامًا أكبر؛ لِمَا لها من انعكاسٍ إيجابي على نفسية الطلبة، ولها فضلٌ في تنمية المفاهيم المعرفية التي يتلقونها داخل أسوار المدرسة.

هذه الرحلة المزمع انطلاقها يوم غدٍ، أيقظت في داخلي ذكرًى نائمة، ذكرًى جميلة وهي: رحلة مدرسيّة كنت ضمن الطلاب المرشحين لها، وإن لم تخنِّ الذاكرة، فهذه الرحلة كنت وقتئذ في ربيعي العاشر، في الصف الرابع ابتدائي، فوجئت بأحد المعلمين وهو يمد لي ورقة، فتحتها وإذ بها رحلة مدرسيّة!! لم أصدّق عينيَّ؛ ذلك أن الرحلات المدرسيّة كانت تجيء وترحل ولا يُكتب لي فيها قدرٌ جميل أو حظٌ سعيد.

والجميل في الأمر - وأحسبها مفارقة عجيبة - أن الرحلة كانت إلى (متحف الأحساء الوطني). لا أتذكّر اليوم الذي ركبنا فيه الباص متّجهين إلى مدينة الهفوف، حيث مقّر المتحف الكائن في قبالة مجمّع الأمير فيصل بن فهد الرياضي، أكان ذلك اليوم أربعاء أم أنه ثلاثاء، أكان ذاك الفصل الذي كنّا فيه صيفًا أم شتاءً، لا تسعفني الذاكرة، لعلّ سبب ذلك أني كنت منشغلًا بما هو مثيرٌ بالنسبة لي، فكثيرًا ما كنت أسمع بـ (المتحف)، ولم أزر متحفًا، غير متحف البحرين الوطني، برفقة العائلة، ووقتها كنت طفلًا بريئًا ساذجًا غاية السذاجة، حتى أنّني قبّلت رأس رجلٍ عجوز كان جالسًا مع ضيوفه، ولعلّ ما ساهم في أن تنطلي عليَّ هذه الخدعة البصرية، علاوةً على سذاجة الطفولة، هو اتقان الصنعة في نحت جسم كائنٍ حيٍ وحسن اختيار مقاسات الملابس التي يرتديها هذا الشيخ الهرم وضيوفه الكرام.

وقبل أن أختم، أحب أن أطرح هذا التساؤل على نفسي وعلى القارئ الكريم، وهو: هل ستظل ذكرى هذه الرحلة قابعة في وجدان سارة وفي سجلات ذاكرتها؟ كما حصل معي في رحلة متحف الأحساء الوطني!!

ولعلّ ثَمَّ سؤال أكثر أهمية وأجدر بالتأمّل، وهو: لماذا تبقى بعض المشاهد متشبّثة بين جدارن الذاكرة، بينما تتبخّر بعض المشاهد الأخرى؟ لعلّ الأمر متعلقٌ بوقع تلك المشاهد على ذواتنا، أو ربّما بالحالة العامة لمجريات الأمور، على أنّه - أحيانًا أخرى -  يظل الحدث  عالقٌ في أحبال الذاكرة.

عبدالرحمن علي
٢٠ مارس ٢٠١٨م.

الثلاثاء، 12 سبتمبر 2017

عثرات

    ثمة مصطلحات لها ظلال سلبية في ثقافتنا العامة، وإحدى هذه المصطلحات على سبيل المثال لا الحصر هو (عثرات) ومفردها (عثرة) والتي يرادفها في العربية (عرقلة، سقطة، كبوة). ولو أمعنّا النظر في هذه المصطلحات لوجدنا فيها جانبًا فلسفيًا برّاقًا وجميلًا؛ فحيث تكون الأخطاء والسقطات تكون الخبرة، ومن نافذة العثرات تهبُّ رياح التجديد. أن تمشي وتعثر ثم تعاند عثراتك وتواصل المسير خير من أن تراوح مكانك، وفي ثقافتنا الإسلامية حديث حول الفتنة: (الفتنة إذا أقبلت شبّهت وإذا أدبرت نبّهت)، ومفاد هذا النص أن الفتنة إذا ما رحلت عنّا نبّهتنا، ولا أظن التنبيه أمرًا سلبيا.
    جرى تنسيق بيني وبين خالي (أبي تمّام) في داره الجديدة، على لقاءٍ خاص يجمعنا ببني عثرات (أبي متمم وأبي رشيد) مع صديقي الفاضل (محمد سعيد الفرحان)، أكّدت للجميع اللقاء عدا خالي نسيت أن أؤكّد له اللقاء، وقبل موعدنا المحدد بنصف ساعة فتحت محادثتي مع خالي على الواتساب لأكتشف أني لم أؤكّد له اللقاء؛ فاتصلت به لحظتها فقال لي: "لم تؤكّد لي اللقاء؛ ولذا فقد اتصلت على اصدقائي لألتقي بهم عند الساعة التاسعة"، فقلت له: ما العمل إذن؟ فقال: لا بأس، تفضلوا على الرحب والسعة.
    فذهبت إلى خالي في موعدنا المحدد (٠٨:١٥م)، وبعد ربع ساعة وصل صديقي (الأستاذ الفرحان) ومن ثم حضر أبو رشيد، وبعد نصف ساعة تقريبًا وإذا بصوت جرس البيت، وصل أصدقاء خالي وهم: (شاعر النخلة الهجرية الباسقة جاسم الصحيّح، والشاعر ناجي حرابة، والشاعر جاسم عساكر، والشاعر السيّد عبدالمجيد الموسوي). ومن المصادفات الجميلة أنني كنت قد طلبت من خالي أن أقرأ عليهم الملف الخاص المنشور مؤخرًا في مجلة العربي، العدد(705- اغسطس 2017م)، والذي جاء بعنوان (جاسم الصحيّح ما وراء حنجرة الشاعر). فحين دخل الشاعر الصحيّح علينا المجلس تعانقنا فقلت له: كنا قد عزمنا على قراءة الملف الخاص المنشور في مجلة العربي وها قد حضرت بنفسك وإذا حضر الماء بطل التيمم. فأطلق ضحكة لطيفة كلطافته المعهودة.
    الجميل في هذا اللقاء أنه حصيلة عثرة بدرت مني، ربّما لو لم تحصل هذه العثرة لما كانت ليلتنا بهذا الجمال والألق، نحن بحاجة للعثرات وللسقطات وللأخطاء أيضًا؛ كي تسفر لنا عن جانبها الإيجابي المختبئ خلف هذا الجدار الوهمي (ظلال اللفظة السلبي، الذي ألمحت له آنفًا)، قضينا مع هؤلاء الشعراء أمسية نموذجية، حيث الحوار كان في مختلف الحقول، فمن الأدب إلى علم الاجتماع مرورًا بعلم النفس، وكان لأفكار الصوفيين ومعتقداتهم حظًا من حوارنا الهادئ.


عبدالرحمن علي

٦ ذي الحجة ١٤٣٨هـ

هديةٌ ثمينة

    اقترح علي أحد أصدقائي تدوين كل ما يتعلق بمدينة حضارية قديمة (مدينة الجرهاء)، وألمح لي إلى أهم مصدر في هذا الصدد، وهو كتاب (جِرّه مدينة التجارة العالمية القديمة) للباحث التاريخي الأستاذ عبدالخالق الجنبي. في بادئ الأمر سعيت لتحميل نسخة أكترونية للكتاب، اتضح لي أنه لم يرفع على صفحات الإنترنت، فطلبت من أحد الأساتذة الفضلاء أن يعرني الكتاب وطال انتظاري لهذه الإعارة التي لم يكتب لها النجاح، فقد اعتذر مني صاحبي، حيث لم يعثر على الكتاب بين أكوام الكتب في مكتبته الكبيرة.
    ذهبت إلى مكتبة التعاون الثقافي بالهفوف لكن دون جدوى - حيث نفدت الكمية - سألت صاحب المكتبة أين يتوفر الكتاب فقال لي يتوفر في المكتبة الوطنية فرع مجمع العثيم بالأحساء، ذهبت إلى المكتبة ولم أعثر على الكتاب، تواصلت بعدها مع أحد الأصدقاء وطلبت منه أن يحضر لي رقم هاتف الأستاذ الجنبي وحين اتصلت به سألته عن الأماكن التي يباع فيها الكتاب أرشدني إلى مكتبتين (مكتبة أطياف بالقطيف، ومكتبة التعاون الثقافي بالأحساء)، فتواصلت مع صاحب أطياف واعتذر مني حيث هي الأخرى نفدت النسخ لديهم.
    لم تُفت عزيمتي ولم يأفل نجم إصراري في العثور على هذا الكتاب العنيد، تواصلت مع إحدى مكتبات الرياض وأفادوني بعد جهد جهيد في البحث عنه بين مئات الكتب في مستودعات المكتبة، أنهم وجدوا نسخة واحدة فقط، ولظروف العمل وظروف أخرى، لم أستطع أن أحصل على هذه النسخة اليتيمة.
    عدت للتواصل مع المكتبة الوطنية، على أمل أن يزودوني بنسخة، لكن الأمر طال، وفي هذه الأيام اتصل بي أبو فراس وقال لي لابد أن نلتقي لأمرٍ هام، اتفقنا على موعد محدّد، التقينا وكانت المفاجأة التي أصمت أذني وأخرست لساني وأكمت عيوني. رمى أبو فراس شيئًا مغلفًا ومكلّلًا بالورد في أحضاني، فوقف الزمن في أعماق نفسي.  ولمّا أن أحسست بأمرٍ قد حدث رفعت رأسي لأرى جميع كواكب المجموعة الشمسية قد توقفت عن المسير، وكل النيازك والنجوم قد توقفت هي الأخرى. الوقت لا ينتظر أحدًا، لكن ثمة لحظةٍ زمنية يتخللها حدث جلل يقف لها الزمن بكل هيبته إجلالًا وتقديسًا لها.

فنضوت الغلاف الذي التف حول الكتاب كما ينضو العاشق فستان معشوقته، لأرى الكتاب الذي أرّقني في رحلة بحثٍ مريرة، وما أجمل نهاية البحث المرير حين تكون هكذا النهايات..



عبدالرحمن علي
٢٧ ذي القعدة ١٤٣٨هـ.

الملامح أفصح من اللسان!!

    في يوم من أيام شهر يوليو، كنت أنا واثنان من أصدقائي نتجوّل في شوارع إحدى المدن العربية. المساء هناك فقد ثلثي جماله بسبب الرطوبة، حيث المدينة ساحلية. وفي أثناء جولتنا في المدينة، ثمة شيءٌ حصل أمامي لم يبرح مخيلتي. حدث أمرٌ هزّ وجداني، حتى أني لم أشعر برطوبة الجو من حولي، سقط رجل أظنه خمسيني، سَقَطَ على الأرضِ سُقُوْطَ ذلٍ وهوان، سقوطًا ليس كالسقوطِ الذي نألفه نتيجة تعثرٍ بارتطام أقدامنا بحجر، أو انزلاقها في حفرةٍ من الحفر. فقد كان الرجل ثملًا إلى النخاع!!
    رأيتُ في عينيهِ انكسارًا، وفي وجنتيه هوانَ الموقفِ وذلَ العاقبةِ، لأنه كما قلت آنفًا لم يكن سقوطه سقوطًا اعتياديًا، بل سقوطًا مختلفًا. بقي على الأرض لثوانٍ لم يتحرّك؛ ليس لأنه لا يستطيع النهوض بل لأنه منهزم نفسيًا، لم ينهزم من عدوّ حتى يتّكئ على عزيمته الخاوية فيقوم لينتقم منه، بل هو منهزم من خمرةِ كأسه ونبيذِ هواهُ. كلُ هذهِ الصورِ التي أحكيها شأنها شأن خطوط الطول والعرض في علم الجغرافيا (وهمية)، كلها تصورات جالت في خلدي حين رأيتُ الرجلَ وقد تعثّر؛ ولذا فقد اختلف معي أحد صديقيّ حيث قال: إن هذا الرجل لا يشعر بانكسارٍ في مشاعره فهو مخمورٌ. ربّما أكون محقًا وربّما يكون صديقي تحليله صحيحًا.

                                                                                                عبدالرحمن علي
١٩ ذي القعدة ١٤٣٨هـ

أمسيةٌ في كنفِ القمر

يوميات
أمسية في كنف القمر

    أمسية من أمسيات الصوالين الأدبية كانت ليلتنا البارحة، حوار ثنائي جميل تلاقحت فيه الرؤى والتقت تحت ضوء القمر الأفكار. اجتمعت بالمثقف (محمد سعيد الفرحان)، في مقهى السيّد الشعبي، بعد تنسيق جرى بيننا عن طريق برنامج الفيسبوك، صيت هذا الشاب المتألق ضرب آذاني منذ فترة ليست طويلة، وذلك حين تصفحت كتاب صديقي الكاتب (أحمد الهلال) بعنوان (خطيئة السؤال) والذي صدر له مؤخرًا ، حيث أهداني إياه في أول لقاء لي به في المقهى نفسه مذيّلًا بتوقيعه.
    لفت انتباهي موضوعه الذي طرقه (محمد سعيد الشّابُّ "المفكّر"!)، وحين تداولت هذا الموضوع مع أحد أصدقائي من الأساتذة الفضلاء سائلًا إياه عن هذه الشخصية، فما كان من صديقي إلا أن زاد شوقي وتلهفي إلى لقيا هذا الشاب الذي يقرأ بصمت ولا يتكلم إلا حين تختمر الأفكار في ذهنه، ولا يقرأ إلا عن بصيرة. وهذا ما أثار فضولي إلى الجلوس مع هذا الشاب الذي قدّم في جلسة شهر رمضان المنصرم بمنتدى السهلة الأدبي موضوعًا حول التصوّف وكنت حاضرًا في تلك الجلسة.
    التقيت بالأخ الفاضل (الفرحان) في المقهى وكان حوارنا حوارًا ثنائيًا لا أحاديًا. الرجل له اهتمامات مختلفة عن اهتماماتي وهذا ما جعل للحوار واللقاء جمالًا يكمن في ثنائيته. هو مهتم اهتمامًا خاصًا بالدراسات والقراءات حول التصوّف، وأما أنا فاهتمامي الأول هو التاريخ - أو التاريخ والحضارة بشكلٍ عام - فكانت لديه ثمة تساؤلاتٌ حول التاريخ، وبالوقت نفسه كانت لديّ تساؤلاتٌ حول التصوّف. جرى سيناريو اللقاء بشكلٍ تبادلي، كما يعبر عنه البعض (بيع وشراء). صديقي محمد الذي يصغرني بثمان سنوات، سبقني بأميالٍ عديدة في مضمار القراءة، تجلى لي مستواه من خلال طريقة عرضه لأفكاره وقوة حضور شتّى المعارف التي يقرأ حولها ومدى تماسك الصور التي يعالجها في كتاباته.
                                                                                                                      

                                                                                                                       عبدالرحمن علي

٢٣ ذي القعدة ١٤٣٨هـ