الخميس، 10 مايو 2018

تجربة مغترب


هل سمعتم عن عملية بيع الأعضاء البشرية؟ هل تستطيعون أن تتصوّروا أنكم تمضون على عقدِ اتفاقية طبية (لبيع أعضائكم بعد الموت)؟ ، فثمة عقد من هذا النوع أمضى عليه شابٌ ليحصل على مبلغ من المال؛ بغرض إكمال الدراسة والحصول على وظيفة!

    تخرجت من المرحلة الثانوية، وذلك في العام 1426هـ - الظروف الماديّة للعائلة إبان تلك الفترة كانت قاسية، ليست قاسية بل قاهرة؛ إذ أن والدي كان يتقاضى راتبًا هو تحت المتدني، وليس ثمة مصادر دخل أخرى. كانا حلمان يتصارعان في أعماق ذاتي، وبالتحديد في دهاليز المستقبل – أحدهما هو (الانضمام إلى صفوف رجال الأمن (العيون الساهرة)، والآخر هو إكمال الدراسة) غير أنّ المعطيات الراهنة آنذاك لم تتح المجال للخيار الثاني. عرفت من أحد الأصدقاء أنه قد بدأ التسجيل في معهد التدريب العسكري المهني. معهد التدريب العسكري المهني تُعقد فيه دورات عسكرية إلى جانب دراسة تخصص مهني ما، على مدار سنة كاملة، يحصل فيها المتدرب طيلة السنة على مكافئة مالية قدرها 600 ريال في النصف الأول، و800 ريال في النصف الثاني، يتم منح المتدرب شهادة دبلوم. وحسب النظام يتم توظيف 25 % من الخريجين، بعض الخريجين يتم توظيفهم في أحد القطاعات العسكرية أو المدنية أو ربّما تقوم بتوظيفهم إحدى الشركات أو المؤسسات من القطاع الخاص، والبعض الآخر – ربّما القليل وربّما الكثير – من الخريجين لا يحصلوا على وظيفة بعد كدح اثنى عشر شهرًا داخل أسوار المعهد. ولهذا السبب (عدم ضمان الوظيفة بعد التخرج) رفض الكثير من أسرتي فكرة الدراسة في المعهد، فلم يكن بين الأعمام والأخوال من أيّد خوض هذه المغامرة. لم أكترث لكلمات التثبيط التي سمعتها ولم أصغِ إلى الأراجيف التي قيلت من هنا وهناك، وقمت بإتمام خطوات التسجيل في معهد التدريب العسكري المهني بجدة.

    الطريق شاقةٌ وطويلةٌ، لا أعني الطريق إلى محافظة جدة بل إلى بلوغ يوم التخرج، ولا يوجد مبلغ مالي مدّخر أو أسهم في محفظة الاستثمار ليتم بيعها من أجل السفر إلى المنطقة الغربية واستئجار شقة فضلًا عن المشرب والمأكل طيلة يومي عطلة نهاية الأسبوع، ناهيك عن تكاليف المواصلات ذهابا وإيابا. وهذا ما حدا بي إلى التفكير في رأي أحد الأصدقاء حين سؤالي إياه عن فكرة من خلالها استطيع الحصول على مالٍ وهي: (بيع الأعضاء على الشركات الطبية)، ربّما لم يسمع أحدكم بهذه الأمور إلا في المسلسلات والأفلام أو في الروايات. لكنّني كدت أن أخطو خطوة نحو هذا المشهد الصعب، لولا أنني قمت باستعاضته ببيع بعض مقتنياتي - إن لم تكن كل مقتنياتي - كهاتفي الجوّال المدمج بالكاميرا وآلة تصوير رقمية، وكانت هذه الخطوة بمثابة آخر نرد استطيع رميه على الطاولة، ولم تبق لدي إلا ورقة احتفظت بها في جيبي، كنت قد ادّخرتها لحين الحاجة إليها؛ هي ليست ورقة نقدية كما خُيّل إليكم - أو كما خدعكم هذا النص - بل هي قصاصة كتبت فيها أرقام هواتف بعض أفراد العائلة وصديقي المقربين حسن ومحمد (اللذين ما فتآ يدعماني معنويا). فكنت إذا خرجت في العطلة الأسبوعية أُخرِجُ هذه القصاصة الورقية واتصل على أحدهم عن طريق إحدى كبائن هاتف الأجرة.


    لعله من الصعب اختزال صور المعاناة والعقبات التي اعترت طريقي طيلة الدراسة في المعهد، ومن الصعوبة بمكان اختزالها في نصٍ قصير، ولكن لا بأس بالمحاولة في إيصال تلك التجربة المريرة. ومن صور تلك المعاناة أنه حين  خروجي يوم الأربعاء من المعهد لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، أنه لا يوجد حينها معي مبلغ مالي لتغطية مصاريف الوجبات الغذائية لهذين اليومين، فضلًا عن عدم توفر مسكن (وهذه كانت الأزمة الكبرى طيلة ثمانية شهور). كنت اتصل على والدي وأخبره قبل دخولي للمعهد وذلك يوم الجمعة قبيل صلاة العصر بأن حسابي البنكي لا يوجد فيه إلا القليل من الهللات؛ لذا فأنا بحاجة للمال، وما أن أنزل من حافلة النقل الجماعي التي كنت أختلس في صعودها، مستقلًا  ذلك المقعد كأحد المشتركين في خدمة التوصيل برسمٍ رمزيٍ، يتم استقطاع ذلك الرسم من المكافأة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وما أن أنزل من الباص إلا وأهرول باتجاه أقرب صرافة آلية ظانًا أني سأجد مبلغًا من المال، بيد أنه يظهر لي على الشاشة بضع هللات، لا تكفي لشراء علك. وهنا اضطر للتملق إلى العمالة الوافدة من مختلف الجنسيات العربية بأن يقبلونني ضيفًا ثقيل العبء طيلة يوم أو ربّما يومين، وعليه فقد استقبلني أحد الإخوة اليمنيين والذي كان يعمل في مغسلة ملابس.

    في تلك الفترة كنت أحفظ بعض الجمل البرّاقة المطرزة بكلمات (الكرامة، المبدأ) لكنّ تلك الكلمات لا تعني شيئًا لمن يعيش في أزمة، هي بالنسبة له حبرٌ على ورق، وأقصى ما يمكن الاستفادة منها هو:  تزيين جدران المدرسة فقط وفقط. بقيت أتنقّل من غرفة مستأجرة داخل إحدى الشقق المفروشة في شمال جدة إلى غيرها في جنوبها، ومن ملحق هنا إلى بيتٍ صغيرٍ هناك لا يتجاوز الستين مترًا. ولم تنتهِ المعاناة حين أمسكت بحقيبتي التي احتوت إلى جانب ملابسي شهادة مختومة بالتخرج من المعهد، وذلك في شهر رجب من العام 1428هـ، ذلك أن عملية تشطيب بواسطة تقنية الليزر للعيون كان لا بد عليَّ أن أجريها في أحد المستشفيات الخاصة، ومن أين لي بثمنها الباهض بالنسبة إلى ظروف تلك السنة التي كانت عائلتنا ما زالت ترزح تحت وطأة القروض البنكية لإعادة بناء بيتنا. قيّض الله لي عمتي التي ما زلت ممتنًا لها، بأن أقرضتني تكلفة العملية، وفي المقابل كانت الظروف مواتية لي؛ إذ أن والدي كان يحتفظ ببعض الأسهم والتي أجريت بهذا المبلغ عملية لأسناني بناءً على توجيهات طبيب الأسنان في (مركز صحي قوى الأمن بجدة) لاجتياز الفحص الطبي العسكري. 

    تخرجت من المعهد بعد سلسلة من العوائق والمعاناة المريرة، والتي تمخضت - بحمد لله - بالحصول على وظيفة (رجل أمن) في قطاع قوات أمن المنشآت، وها أنا ذا اليوم وبعد مرور عقدٍ من الزمن، أرفل وله الحمد في نعيم بظل أسرةٍ أحد أفرادها بنتي (سارة) التي انتقلت هذا العام من الصف ثاني ابتدائي بتفوق إلى الصف الثالث، ما كنت لأستطيع بناءها بعد عونه لولا صبري وجلدي ووقوف البعض من أسرتي. 


وختامًا أقول: إنه بشيءٍ من الصبر والأناة، بقسط وفير من التحمل نستطيع بناء مستقبلنا بأحسن صورة وأجمل قوام.



عبدالرحمن علي
25 شعبان 1439هـ.