الفن وسقف الحرية
ليلة البارحة قضيت مع الأسرة يومًا جميلًا في أحد الحدائق العامة، كان جوًا مفعمًا ولطيفًا رغم أن المنطقة تشهد هذه الأيام موجة حر قوية كوننا في شهر يوليو. الحديقة كانت مكتظة بالزوّار، وفي كل زاوية من زوايا الحديقة تجد الباعة (أصحاب البسطات) يبيعون المأكولات الخفيفة وبعض المشروبات الباردة والساخنة، والبعض منهم يبيع الألعاب والبعض الآخر يؤجر الدراجات الصغيرة والسيارات التي تعمل بالشحن الكهربائي.
كان بالقرب منا مجموعة من الشباب، غالبيتهم في سن المراهقة، والبعض منهم يكاد لا يتجاوز سن العشرين، عددهم غير محدّد، تارةً يتزايدون وتارةً يتناقصون، لعلهم ستة سابعهم مصوّرهم، وقد يكونون ثمانية تاسعهم مصوّرهم. ما لفت انتباهنا (أنا وجميع أسرتي)، في هذه المجموعة من الشباب، أنهم كانوا يقومون برقصاتٍ وحركاتٍ جمبازية فيها من الخفة والسرعة الشيء الكثير، ما رأيته منهم شيئًا يستحق التوثيق والكتابة، رقصات وحركات فلكلورية، أمتعوا الحضور بها.
في الأثناء، التفتُ على أحد أفراد أسرتي، وقلت له: ما يقوم به هؤولاء الشباب فنٌ من الفنون، وجميل أن يحتضن مجتمعنا مثل هذه الشريحة من الشباب، غير أنه لم يرق لي نمط لباسهم، فضلا عن نمط قصات شعورهم. البعض منهم يُخيّل إليك أنه أوروبّي أو أمريكي، هم يقومون بعمل فنّي أمام الملأ، ولذا فحركاتهم وسكناتهم وكل إيماءاتهم ستكون تحت المجهر، ومن الطبيعي أن يُنقدوا من المجتمع ولا سيّما خصوم هذا اللون الاجتماعي من المتشددين.
وختامًا أقول: مع انحسار رؤية هلال هيأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ظهرت مثل هذه المشاهد الفلكلورية في مجتمعنا كالذي أتحدث عنه. نحن بحاجة لمساحة من الحرية ليُظهِر لنا المجتمع من فنونه ومن كوامنه، قد يختلف معي البعض ويرى أن ما وصفته شيئًا مستنكرًا ويتنافى والآداب العامة، ولكنّي أرى أن الطبيعي هو أن نعيش حالة من الفسيفساء الاجتماعي، مزيج من الألوان الثقافية والتنوع الفكري، وليس بالضرورة أن نتفق كلنا على لونٍ اجتماعيٍ واحد ونصطبغ بصبغته.
شكرًا للشبّاب لأنهم أثاروا قلمي، وشكرًا لكم لأنكم تقرأون ما أكتب رغم اختلافكم معي.
عبدالرحمن علي
٢ ذو القعدة ١٤٣٩هـ