في تمام الساعة السادسة مساءً من يوم أمس، صحوت على صوت طرق الباب، وقد امتلأ المكان من حولي بأصوات المؤذّنين؛ لدخول وقت صلاة المغرب. بعد أن أغلقت منبّه الجوّال، أجبت أطفالي الذين ما زالوا يطرقون الباب: سارة والمقداد، ومعهم صغيرهم (آخر العنقود) عبدالله، وهو يحاول جهد إمكانه أن يقفز من درّاجته ليتشبّث بأطراف ثوبي. وبعد الانتهاء من الوضوء، ومن أداء صلاة العشائين، جلست مع طفلتي الجميلة (سارة) لأطّلع على المستجدات اليومية في المدرسة، وإذ بها تعطيني ورقة من المعلِّمة. الورقة متعلقة بطلب معرفة مدى موافقة أو رفض أولياء الأمور على الرحلة المدرسيّة، الرحلة إلى أحد مراكز الترفيه للأطفال وهو (تشيكي تشيز).
هذه المبادرة الجميلة من إدارة المدرسة، لأوّل مرة تحصل عليها ابنتي سارة، ومثل هذه النشاطات المدرسية، حريٌّ بمنسوبي وزارة التعليم أن يكثّفوا منها ويولوها اهتمامًا أكبر؛ لِمَا لها من انعكاسٍ إيجابي على نفسية الطلبة، ولها فضلٌ في تنمية المفاهيم المعرفية التي يتلقونها داخل أسوار المدرسة.
هذه الرحلة المزمع انطلاقها يوم غدٍ، أيقظت في داخلي ذكرًى نائمة، ذكرًى جميلة وهي: رحلة مدرسيّة كنت ضمن الطلاب المرشحين لها، وإن لم تخنِّ الذاكرة، فهذه الرحلة كنت وقتئذ في ربيعي العاشر، في الصف الرابع ابتدائي، فوجئت بأحد المعلمين وهو يمد لي ورقة، فتحتها وإذ بها رحلة مدرسيّة!! لم أصدّق عينيَّ؛ ذلك أن الرحلات المدرسيّة كانت تجيء وترحل ولا يُكتب لي فيها قدرٌ جميل أو حظٌ سعيد.
والجميل في الأمر - وأحسبها مفارقة عجيبة - أن الرحلة كانت إلى (متحف الأحساء الوطني). لا أتذكّر اليوم الذي ركبنا فيه الباص متّجهين إلى مدينة الهفوف، حيث مقّر المتحف الكائن في قبالة مجمّع الأمير فيصل بن فهد الرياضي، أكان ذلك اليوم أربعاء أم أنه ثلاثاء، أكان ذاك الفصل الذي كنّا فيه صيفًا أم شتاءً، لا تسعفني الذاكرة، لعلّ سبب ذلك أني كنت منشغلًا بما هو مثيرٌ بالنسبة لي، فكثيرًا ما كنت أسمع بـ (المتحف)، ولم أزر متحفًا، غير متحف البحرين الوطني، برفقة العائلة، ووقتها كنت طفلًا بريئًا ساذجًا غاية السذاجة، حتى أنّني قبّلت رأس رجلٍ عجوز كان جالسًا مع ضيوفه، ولعلّ ما ساهم في أن تنطلي عليَّ هذه الخدعة البصرية، علاوةً على سذاجة الطفولة، هو اتقان الصنعة في نحت جسم كائنٍ حيٍ وحسن اختيار مقاسات الملابس التي يرتديها هذا الشيخ الهرم وضيوفه الكرام.
وقبل أن أختم، أحب أن أطرح هذا التساؤل على نفسي وعلى القارئ الكريم، وهو: هل ستظل ذكرى هذه الرحلة قابعة في وجدان سارة وفي سجلات ذاكرتها؟ كما حصل معي في رحلة متحف الأحساء الوطني!!
ولعلّ ثَمَّ سؤال أكثر أهمية وأجدر بالتأمّل، وهو: لماذا تبقى بعض المشاهد متشبّثة بين جدارن الذاكرة، بينما تتبخّر بعض المشاهد الأخرى؟ لعلّ الأمر متعلقٌ بوقع تلك المشاهد على ذواتنا، أو ربّما بالحالة العامة لمجريات الأمور، على أنّه - أحيانًا أخرى - يظل الحدث عالقٌ في أحبال الذاكرة.
عبدالرحمن علي
٢٠ مارس ٢٠١٨م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق